فصل: يتصدق على ولده الصغار بالصدقة التي لها الكراء أو الغلة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة



.مسألة تصدق على رجل بعبد له ثم أعتقه قبل أن يقبضه:

وسألته عن رجل تصدق على رجل بعبد له، ثم أعتقه قبل أن يقبضه، قال: لا عتق له.
قال الإمام القاضي: قوله: إنه لا عتق له، هو الذي يأتي على قياس قول مالك في أن الصدقة يحكم بها على المتصدق، وإن لم تقبض منه، ويحتمل أن يكون من قول ابن وهب، فإن كان من قول ابن القاسم، فهو خلاف قوله في سماع محمد بن خالد، وقد مضى القول على ذلك هنالك، فلا معنى لإعادته.

.مسألة يتصدق على الرجل بالجارية فيحبلها المتصدق:

وسألته عن الرجل يتصدق على الرجل بالجارية فيحبلها المتصدق قبل أن يقبضها المتصدق عليه، قال ابن وهب: إذا تصدق بصدقة جد، كانت القيمة على المتصدق عليه، ولو شهد له شاهد على الصدقة، وهي في يديه حلف مع شاهديه.
قال محمد بن رشد: قد مضى في سماع محمد بن خالد الكلام على الذي يتصدق بالجارية ثم يحبلها قبل أن يقبضها المتصدق عليه، فلا معنى لإعادة ذلك، وقوله: ولو شهد له شاهد على الصدقة، وهي في يديه حلف مع شاهده، صحيح لا إشكال فيه، ولا دليل في قوله، وهي في يديه على أن الحكم يكون بخلاف ذلك إذا لم تكن في يديه؛ لأن المدعي للصدقة يحلف مع شاهده، ويستحق صدقته، كانت الصدقة في يد المتصدق أو في يد المتصدق عليه، على مذهب مالك، والمخالف يقول: إن الصدقة إذا كانت في يد المتصدق فلا يحكم عليه بها للمتصدق عليه، فلهذا قال في هذه الرواية: يحلف مع شاهده ويستحق صدقته، وإن كانت في يد المتصدق، وأما إن كانت في يد المتصدق عليه، فلا كلام في أنه يحلف مع شاهده، وإنما ساق ذلك على سبيل الحجة، فكان وجه الكلام، أن يقول: لأنه لو شهد له شاهد، وبالله التوفيق.

.مسألة تصدق على ولد له صغار وكبار بصدقة:

قال: وسألته عمن تصدق على ولد له صغار وكبار بصدقة، فلم يحزها الأكابر حتى مات الأب، فهل للأصاغر شيء؟ قال: نعم، يكون لهم حظوظهم منها.
قال محمد بن رشد: المسئول عن هذه المسألة ابن وهب، والله أعلم، وقوله مثل قول مالك في رواية علي بن زياد، عن مالك في المدونة، ومثل قوله في رواية أشهب عنه في هذا الكتاب، خلاف مذهب ابن القاسم في المدونة، وفي رسم إن خرجت من سماع عيسى من الكتاب، وقد مضى الكلام على ذلك هنالك مستوفى، فلا معنى لإعادته.

.مسألة تصدق بصدقة على ولده بدار:

وسألته عمن تصدق بصدقة على ولده بدار، فلم يزل ساكنا في ناحية من الدار حتى مات، ما حد الذي إذا سكنه الأب لم يكن للولد فيه صدقة، فقال: إذا سكن الثلث فأدنى فالصدقة ماضية، وأما إن سكن أكثر من الثلث، فلا صدقة له.
قال محمد بن رشد: هذا مذهب مالك؛ لأن الثلث آخر حد اليسير، وأول حد الكثير، وهو عند مالك في جميع المسائل يسير، إلا في ثلاثة مواضع، وهي: معاقلة المرأة الرجل، وما تحمل العاقلة من الدية، والجوائح في الثمار، وبالله التوفيق.
كمل الجزء الثالث من كتاب الصدقات والهبات بحمد الله وحسن عونه، والصلاة الكاملة على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

.كتاب الصدقات والهبات الرابع:

.يتصدق على ولده الصغار بالصدقة التي لها الكراء أو الغلة:

من سماع أصبغ بن الفرج من ابن القاسم من كتاب البيوع قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في الذي يتصدق على ولده الصغار الذين يحوز لمثلهم بالصدقة التي لها الكراء، أو الغلة، ويكري هو لهم: إن ذلك جائز إذا أشهد على أصل الصدقة، وإن لم يكتب الكراء بأسمائهم؛ قال: ومن يكري للصغير، ويشتري له، ويبيع له، إلا أبوه، وأنكر قول من يقول: لا يجوز إذا كتب الأب الكراء باسم نفسه، وعابه وكرهه كراهية شديدة ورآه خطأ، وقال: قد صحف في ذلك، ولا أعلمه إلا قال: وهذا خلاف لسنة المسلمين، ولا أعلم أحدا من الناس قال هذا، يريد من أهل العلم.
قال محمد بن رشد: هذا من قول ابن القاسم مثل ما تقدم من قوله في آخر رسم شهد، من سماع عيسى، ومن قول مالك في رسم يدير منه، وهو أمر لا أعلم فيه اختلافا في المذهب، وقد مضى من القول على ذلك في رسم يدير المذكور ما فيه كفاية، وبالله التوفيق.

.مسألة تصدق على ابن له صغير يحوز لمثله بنصف غنمه:

قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم يقول فيمن تصدق على ابن له صغير، يحوز لمثله بنصف غنمه، أو ثلثها، أو بنصف عبده، أو داره، وترك بقية ذلك مالا لنفسه شريكا له به: إن ذلك جائز، وإن ذلك حوز له؛ وإن تصدق على ابن له صغير بنصف غنمه، ونصفها في سبيل الله، فكان الأب يحوز ذلك كله حتى مات الأب، وذلك على حاله، أن صدقة الابن جائزة، وأن ما كان في سبيل الله من ذلك، فليس بشيء؛ ونصيب الابن جائز، وليس ذلك بمنزلة ما لو تصدق عليه وعلى كبير؛ لأن ما كان في سبيل الله في ذلك لا يحوزه أحد، والأجنبي والكبير إذا كان بعينه يحوزه ويقوم به؛ وسبيل الله هو كلا شيء، وهو كما لو حبسه مالا لنفسه، وكان به شريكا.
قال أصبغ: لا يعجبني ما قال، وأرى أن يبطل كله، ولا يجوز منه شيء للابن في المسألتين جميعا، لا في الذي جعل للابن نصفه، وأمسك نصفا، ولا في الذي جعل للابن نصفه، وللسبيل نصفه، ولا للسبيل جميعا؛ لأن الذي للابن ليس بشيء بعينه، وهو مشاع فيه كله، فهو كحاله قبل الصدقة، وهو كما لو تصدق عليه بمائة من غنمه ولم يفرزها بعينها، ولم يسمها أو بعدة من خيله، ولم يسمها ولم ينسبها حتى تقع الصدقة فيها بعينها، أنه يبطل؛ وهو قول مالك في الغنم والخيل والجزء، وهو واحد كله، وهذا آخر قول مالك، والذي رجع إليه فيها؛ وقد كان يقول قبل ذلك في الغنم إذا تصدق عليه بعدة منها، وهي في غنمه كما هي؛ أنه جائز، وليس ذلك بشيء، قد رجع عنه هو وأصحابه، وهو قولنا جميعا لا يجوز حتى يسميها بأعيانها، أو ينسبها بأسمائها أو يفرزها، أو يسميها، فكذلك مسألة الجزء سواء.
قال محمد بن رشد: اختلف فيمن تصدق بجزء من ماله على الإشاعة على ولده الصغير، هل تصح حيازته إياه له أم لا، على ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن حيازته إياه له جائزة سواء أبقى الباقي لنفسه، أو تصدق به على كبير، أو في السبيل، وهو قول مالك. والثاني: أن حيازته له غير جائزة، فسواء أيضا أبقى الباقي لنفسه، أو تصدق به على كبير، أو في السبيل، وهو قول أصبغ في هذه الرواية. والثالث: أن حيازته له جائزة إن أبقى لنفسه أو تصدق به في السبيل، ولا يجوز إن تصدق به على كبير إلا أن يحوز الكبير لنفسه والصغير، فإن لم يحز الكبير شيئا، أو لم يحز إلا حصته، بطل نصيب الصغير، وهو مذهب ابن القاسم، وإرادته في هذه الرواية تبين ذلك من مذهبه، قاله في كتاب ابن المواز من أن نصيب الصغير يبطل، وإن حاز الكبير نصيبه، وقد مضى بيان هذا كله وتوجيه الخلاف فيه في رسم إن خرجت، من سماع عيسى، من كتاب الحبس، ومضت المسألة أيضا في رسم طلق بن حبيب، من سماع ابن القاسم، من هذا الكتاب، وفي رسم العرية، من سماع عيسى منه؛ فإذا وهب الرجل جزءا من جميع ماله على الإشاعة لولده الصغير، وله أصول ورباع وعروض ورقيق وماشية وناض وطعام، جاز له على مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك ذلك الجزء من جميع ما كان يملك يوم الهبة من الأصول والرباع والعروض والرقيق والماشية، حاشا ما سكن من الدور، ولبس من الثياب.
وأما الطعام والناض فلا يجوز ويبطل؛ إذ لا يعرف ذلك بعينه، إلا أن يضعه له على يد غيره؛ وقد قال: إن ذلك يجوز له إذا أفرزه له، وإن لم يخرجه من يده، وهو قول مالك في الموطأ حسبما مضى بيانه في أول رسم، من سماع ابن القاسم، وفي رسم طلق بن حبيب منه، ومثل هذا في الثمانية لابن الماجشون؛ قال فيمن قال نصف ماله صدقة على ابنتي البكر، وهي في حجره، أن لها نصف ما كان يملك يوم تصدق من عقار أو ثياب أو دواب أو ماشية، إلا العين، فإنه باطل، إلا أن يكون حازه لها على يدي غيره، وكذلك تبطل الثياب التي تلبس والسلاح، وما كان يبتذله، وما سكن من الدور حتى مات.
قال القاضي ابن زرب: أنه إن كانت الدنانير، أو ما سكن من دار تبعا لما حاز بالصدقة، فالجميع نافذة، وهو الذي قاله ابن زرب من أنه إن كانت الدنانير أو ما سكن من دار تبعا لما حاز، فالصدقة بالجميع نافذة، لا تصح عندي على مذهب مالك؛ لأنها أنواع من الأموال، فلا يجعل الأقل منها تبعا للأكثر، وإنما ذلك في النوع الواحد، فإن كانت الدار التي سكن هي تبع لما لم يسكن من الدور أو الثياب التي لبس تبعا لما لم يلبس منها، أو الناض الذي لم يخرجه عن يده تبعا لما أخرجه عن يده منه، أو وضعه على يدي غيره، جاز ذلك؛ وإلا لم يجز هذا على مذهب مالك في أن الدور الكثيرة إن سكن دارا منها كلها أو جلها، وهي تبع لما لم يسكن منها، جاز له ما سكن، وما لم يسكن، كالدار الواحدة إن سكن منها اليسير جازت للابن كلها، وأما على مذهب أصبغ الذي يقول في الدور الكثيرة: إنه إن سكن واحدة منها أو جلها، وإن كانت تبعا لسائرها؛ أن الهبة فيها تبطل؛ لأن كل دار منها، فكأنها موهوبة على حدة، فبطل ما لبس من الثياب، وما سكن من الدور، وما أبقى عند نفسه من الناض بكل حال، وبالله التوفيق.

.مسألة تصدق على رجل بميراثه من أبيه بعد أن يموت أبوه:

ومن كتاب الأقضية والحبس:
قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول في رجل تصدق على رجل بميراثه من أبيه بعد أن يموت أبوه، وأشهد له، وقبل ذلك منه، ثم بدا للمتصدق وقال: إني كنت حين فعلت ذلك لا أدري ما أرث نصفا أو ربعا؟ ولا أدري ما عدد ذلك من الدنانير، ولا من الرقيق؟ ولا ما سعة ذلك من الأرضين وعدد الأشجار؟ فلما تبين لي مورثي من أبي، وما أرث مما ترك، رأيت ذلك كثيرا، وكنت ظننت أنه دون هذا، وأنا لا أجيز الآن.
فقال ابن القاسم: إن تبين مما قال: إنه لم يكن يعرف يسر أبيه، ولا وفره لغيبة كانت عنه، رأيت أن يحلف ما ظن ذلك، ويكون القول قوله، وإن كان عارفا بأبيه وشره، وإن لم يعرف قدر ذلك، جاز عليه على ما أحب أو كره؛ وقال أصبغ مثله.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضى الكلام عليها مستوفى في أول سماع عيسى، فلا معنى لإعادته.

.مسألة اشترى بغلين أحدهما فاره والآخر رديء فأشهد أن أحدهما صدقة على ابنه:

ومن كتاب الوصايا والأقضية:
قال أصبغ: سمعت ابن وهب، وسئل عن رجل اشترى بغلين؛ أحدهما فاره، والآخر رديء، فأشهد أن أحدهما صدقة على فلان ابنه، ثم مات فادعى الابن الفاره، وجاء بشهود يشهدون أن أباه تصدق عليه بأحد البغلين، ولا يدرون أيهما هو، وقال سائر الورثة: هو الرديء، قال: لا يقبل قوله، ولا قول الورثة، ويجعل له نصف الفاره ونصف الرديء، قال أصبغ: تبطل الصدقة، ولا تكون شهادة في الحكم إلا أن يأخذ ما أقرت به الورثة بإقرارهم.
قال محمد بن رشد: المعنى في هذه الشهادة أن الشهود شهدوا أن الميت أشهدهم على أنه تصدق على ابنه بأحد هذين البغلين، وعينه لهم، إلا أنهم لا يدرون أيهما هو منهما، ولذلك وقع الاختلاف في جواز الشهادة، فأجازها ابن وهب، ولم يجزها أصبغ، وقول أصبغ هو المشهور في المذهب؛ أن شهادتهم تبطل إذا شكوا فيه، فلم يدروا أيهما هو الذي عين لهم أنه تصدق به منهما، ويأتي قول ابن وهب على ما وقع في أصل الأسدية، من كتاب الأيمان بالطلاق، من أن الشهود شكوا، فلم يدروا أيهما؟ أهي المطلقة التي قد دخل بها، أو التي لم يدخل بها؟ ويختلف على القول بإجازة الشهادة في إجازة الصدقة؛ لأنها إذا جازت صارت بمنزلة من قال: قد تصدقت على ابني بأحد هذين البغلين، أو ببغل من هذين البغلين، أو بعدة من بغاله، أو بعدة من خيله، أو من غنمه دون أن يسميها أو يعينها، وقد اختلف قول مالك في ذلك: كان يقول أولا: إن الصدقة جائزة، ثم رجع إلى أنها لا تجوز حسبما وقع من اختلاف قوله في آخر أول رسم من هذا السماع، فقول ابن وهب في إجازة الصدقة بعد أن أجاز الشهادة على قياس قول مالك الأول، في أن الرجل إذا تصدق على ابنه الصغير بعدة من غنمه، أو من خيله دون تعيين أن الحيازة جائزة، والصدقة ماضية، وقد مضى ذكر الاختلاف في هذه الشهادة وتحصيله في رسم يدير ماله، من سماع عيسى، من كتاب المديان والتفليس، وأما لو كان الميت إنما قال للشهود: أشهدكم أني قد تصدقت على ابني بأحد هذين البغلين دون تعيين منه لأحدهما؛ لكانت الشهادة جائزة باتفاق، والصدقة جائزة على اختلاف.

.مسألة الصفائح والنقر والحلي المكسور إذا وهب للثواب:

ومن كتاب البيع والصرف:
قال أصبغ: وسمعت ابن القاسم، وسئل عن الصفائح والنقر والحلي المكسور، أفيه ثواب؟ قال: لا، ليس في ذلك ثواب؛ يعني إذا وهب للثواب، وقاله أصبغ.
قال محمد بن رشد: وقع هذا الرسم هاهنا في بعض الروايات، وقد مضت المسألة مكررة في رسم أوصى، من سماع عيسى، والتكلم عليها هناك، فلا معنى لإعادته، وبالله التوفيق.

.مسألة يتصدق على الرجل بنصف أرضه وفي الأرض بئر أو عين:

ومن كتاب الكراء والأقضية:
قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن الرجل يتصدق على الرجل بنصف أرضه، وفي الأرض بئر، أو عين، إنما حياة تلك الأرض بها، يقول المتصدق: لم أتصدق عليك إلا بالأرض، وأما الماء؛ فليس لك منه شيء، وإنما كانت الصدقة مبهمة من غير استثناء ولا محدودة، وكيف إن تصدق عليه بقطعه من الأرض والماء فيها، أو في غيرها، هل هو سواء؟ وكيف إن كان تصدق عليه بجميع الأرض والماء فيها، فادعى أنه لم يتصدق عليه بالماء؟ وكيف إن كان الماء يأتيها من أرض له غيرها؟
قال ابن القاسم: إذا كان الماء فيها، وخرجت الصدقة مبهمة إلى جزء منها مشاع، فالماء بينهما على قدر ما لهما من الأرض، إذا كان الماء في الأرض، وإن تصدق عليه بناحية من الأرض والماء في غير ناحية التي قطع له، حلف المتصدق بالله ما تصدق عليه بالماء، وكان ذلك له، وإن تصدق على رجل بأرضه كلها، وفيها ماء، وزعم أنه لم يتصدق عليه بالماء، فالماء للمتصدق عليه، ولا شيء للمتصدق، فإن كان الماء في غيرها، حلف بالله ما تصدق عليه بالماء، وكان ذلك له وإن كان الماء يأتيها فهو كذلك، وقاله أصبغ.
كل هذا في الذي تصدق بناحية، والماء في غيره، إذا كان يكون للأرض شرب من غيرها بوجه من الوجوه، مثل أن يكون للمتصدق عليه إلى جنبها ماء يسوقه إليها، أو يعتمله بسقيها؛ فإن لم يكن كذلك على شيء من المصارف، ولا المعتمل ولا السبيل إلا ماءها، إن لم تسق به بقيت أبدا لا حياة لها وبطلت؛ رأيت الشرب لها في الماء أيضا حتى يستثني في الصدقة أنه لا ماء لك.
وقال مالك في الذي يتصدق بالأرض فيقول: إني نويت أن أتصدق بها بلا ماء، فالقول في ذلك قوله إذا كان المتصدق عليه يقدر على سقيها من غير ساقية المتصدق، فأما إن كان لا يقدر على ذلك بوجه من الوجوه، ولا ينالها الماء إلا من طريق المتصدق؛ فإني أرى في هذا الموضع أن يقبل قوله، وأن يكون له من الماء ما يكفيها؛ وإن تصدق بها مبهمة، كان له من الماء ما يصلحها على ما أحب المتصدق أو كره.
قال أصبغ: قيل لابن القاسم: الرجل يشتري من الرجل الأرض على هذا الوجه، أو نصف الأرض مبهمة، وهو جار له، ولها في أرضه ما يسقي به، فزعم البائع أنه لم يبعه على الماء، وإنما باع الأرض على أن يضمها إلى أرضه ويسقيها بمائه، إلا أنه باع منها؛ هل يختلف ذلك إذا كان جاره أو أجنبيا؟ أو هل يختلف في هذا الوجه إذا باع قطعة من الأرض والماء في غيرها، وإنما عيش الأرض بالماء؛ أو هل يستوي ذلك كله؟ أو هل هو في جاره والأجنبي سواء؟ أو هل يختلف إن كان مبهما أو غير مبهم؟
قال ابن القاسم: أما إذا كان الماء فيها، وباع مبهما، فالماء للمشتري، وليس للبائع عليه مقال، كان الذي باع كلها أو نصفها، أو جزءا منها، كان جارا أو أجنبيا، أو كان للمشتري أرض إلى قربها أو ماء، أو لم يكن؛ فذلك كله سواء إذا باع مبهما، وكان الماء فيها فهو للمشتري، قال أصبغ: فإن تداعيا البيان والمواطأة على الأرض دون الماء، تحالفا وتفاسخا، قال أصبغ: قال ابن القاسم: وأما إذا كان الماء ليس فيها، وإنما شربها يأتيها من غيرها، وما باع مبهم، فإنه ينظر، فإن كان لما قال البائع وجه مثل أن يكون للمشتري أرض إلى جنبها يضمها إليها، ويكون شربها منها، فأرى القول قوله ويحلف، ثم يحلف المشتري أنه لم يشتر إلا على الماء، فإذا تحالفا تفاسخا، ومن نكل منهما فالقول قول الآخر مع يمينه؛ فإن كان على غير ذلك فالماء للمشتري، ولا حجة للبائع، وسواء في هذا أيضا اشترى الأرض كلها أو بعضها، إلا أن يدعي البائع الشرط، يزعم أنه استثنى الماء، وهو في الأرض، وأنكر الآخر أو زعم المشتري أنه اشترط الماء، وهو في غيرها، وأنكر الآخر؛ فإن كان الماء فيها فهو للمشتري، وإن كان في غيرها، وكانت تسقى به كلها تحالفا وتفاسخا.
وقال أصبغ: ذلك كله رأيي، وهو قولي، وهو جيد كله، وبعضه قوة لبعض، وبيان لما قلت لك في الصدقة، إذا لم يكن لها سقي وغيرها من التحالف، إلا قوله في هذا الحرف الآخر، إذا ادعى البائع الشرط، وزعم أنه استثنى الماء، وهو في الأرض، وأنكر المشتري، فإن القول فيه أيضا أن يتحالفا عليه، ولا يكون الماء للمشتري بقوله زعما كما قال، ولكن يتحالفان ويتفاسخان على محمل الحديث إذا اختلف البائع والمبتاع، فالقول ما قال البائع ويتفاسخان، وذلك ما لم يقبض المشتري، ويدخل الغير في الأرض بما يكون فوتا، فإن أدخل ذلك، كان القول قول المشتري، وكان البائع هاهنا مدعيا، والمشتري مدعى عليه، ولم يجتمع التداعي جميعا؛ والأول إذا لم يقبض أو يفوت بغيرهما مدعيان، فهو على الحديث بعينه أيضا، وسواء كان الماء في الأرض، أو لم يكن إذا كان شربها.
قال محمد بن رشد: تحصيل القول في المسألة: الرجل يتصدق بالأرض أو بجزء منها على الإشاعة والماء في غيرها، أو فيها، أنه إن كان الماء فيها، فلا اختلاف في أنه تبع لها في الصدقة، واختلف إن قال المتصدق: إنما تصدقت بها وحدها دون الماء، فقيل: إنه لا يتصدق في ذلك بحال، وهو مذهب ابن القاسم ومطرف، وابن الماجشون، وقيل: إنه يصدق في ذلك مع يمينه إذا كان المتصدق عليه يقدر على سقي الأرض من غير ذلك الماء بوجه من الوجوه؛ وأما إن كان الماء في غير الأرض المتصدق بها، أو بجزء منها على الإشاعة، فاختلف في ذلك: قيل: إن الماء يبقى للمتصدق؛ إذ ليس في الأرض التي تصدق بها، وهو الذي يأتي على من يدل عليه قول أشهب، في رسم باع شاة، من سماع عيسى، من كتاب جامع البيوع، ومعنى ذلك: إذا كانت الأرض تستغني عن الماء، وكان يقدر على سقيها من غير ذلك الماء؛ وقيل: إن الماء للمتصدق عليه، واختلف على هذا القول إن قال المتصدق: إني إنما تصدقت بها دون الماء؛ هل يصدق في ذلك أم لا؟ فقيل: إنه يصدق في ذلك مع يمينه، إلا أن تكون الأرض لا تستغني عن ذلك الماء بوجه من الوجوه، وهو قول ابن القاسم في هذه الرواية على ما زاده أصبغ فيها.
وقيل: إنه لا يصدق في ذلك، معناه إلا أن يكون له دليل من شاهد الحال، مثل أن يتصدق عليه بقطعة من أرضه ليضيفها إلى أرضه، وله ما يسقيها به، فيعلم أنه إنما تصدق عليه بالأرض ليسقيها من مائيه، وهو ظاهر قول ابن القاسم الذي مضى في رسم شهد، من سماع عيسى، في الذي يتصدق ببيت من داره؛ إذ لا فرق بين المسألتين في المعنى، والحكم في الماء في البيع إذا وقع مبهما في الأرض، أو في جزء منها، والماء فيها أو في غيرها، ولم يدع أحد المتبايعين في ذلك شرطا ولا نية، كالحكم فيه في الصدقة سواء، إن كان الماء في الأرض فهو للمشتري، وإن كان في غيرها، ويمكن أن يسقي من غير ذلك الماء؟ فقيل: إنه يكون للبائع، وقيل: إنه يكون للمشتري على الاختلاف الذي مضى في الصدقة في ذلك.
وأما إذا تداعيا البيان في ذلك والنص عليه، فقال البائع: بعتك الأرض دون الماء، وقال المبتاع: بل اشتريتها منك بمائها، أو قال كل واحد منهما: كانت هذه نيتي، فقول أصبغ على ما يدل عليه قوله في هذه الرواية أنهما يتحالفان ويتفاسخان على ما ادعياه من الإفصاح والبيان على نياتهما، كان الماء في الأرض أو خارجا عنها على مذهب الحديث، إلا أن يكون المشتري قد قبض الأرض، وفوتها بإدخال العين فيها، أو بما سوى ذلك مما يفوتها، فيكون القول قوله؛ ومذهب ابن القاسم على ما قاله في هذه الرواية من رواية أصبغ عنه: أنهما يتحالفان ويتفاسخان، إلا أن يكون الماء في الأرض، أو يكون في غيرها، ولا يشبه ما قال البائع، ويشبه ما قال المشتري بأن لا يكون للأرض سقي من غير ذلك الماء، فيكون ذلك القول قول المشتري، فراعى ابن القاسم في هذه الرواية دعوى الأشباه مع القيام، وهو خلاف المشهور في المذهب، ولم يراعه أصبغ على المشهور فيه، وبالله التوفيق.

.مسألة ضمن عن ابنه نفقة سنين سماها بدنانير في كل سنة:

قال أصبغ: سمعت ابن القاسم يقول فيمن ضمن عن ابنه نفقة سنين سماها، بدنانير سماها في كل سنة، أو لم يسم دنانير، إلا أنه قد عرف وجه النفقة، فضمن نفقة سنين، وذلك كله بعد عقد النكاح، مثل أن يراد أن يقام بابنه ليفرق بينهما، فضمن لك عنه أبوه، أرى أن ذلك يلزمه ما كان حيا، فإذا مات سقط ذلك عنه؛ وقاله أصبغ، وهو الحق، وكذلك نفقة المطلقة إذا ضمن الابن، هذه حقوق يقضى بها قد افترضت، وليس هذا كالذي يضمن في النكاح النفقة، ذلك شيء لم يأت، ولم يفرض، ولم يجب ولا أمر له، ومجهول كله يكون أو لا يكون، ومتى يفترقان أو يموتان.
قال محمد بن رشد: جعل الضمان بالنفقة لا يجب إلا بالحياة، من أجل أنها لم تجب بعد، فما وجب منها في حياته لزمه، وما وجب منها بعد وفاته لم يلزمه، بخلاف الحمالة بما قد وجب من الحقوق، ذلك يجب في حياته وبعد وفاته؛ لأنها خرجت على عوض، وهو ما رضي المحمول له به من ترك ذمة غريمه، وكان القياس أن يجب عليه ضمان نفقة السنين التي سمى، وإن مات قبل تمامها إذا عاش ابنه حتى انقضت، أما إن مات ابنه قبل انقضائها، فلا يلزمه ضمان ما بقي منها وإن كان حيا؛ لأنها تسقط عنه بسقوطها عن ابنه الذي تحمل عنه.
وقوله: وكذلك نفقة المطلقة إذا ضمن الابن، معناه: وكذلك إذا ضمن عن ابنه لزوجته المطلقة نفقة ولدها منه سنين، فمات قبل انقضاء السنين، لا يلزمه ضمان ما بقي منها، فكان القياس أن يلزمه ضمان ذلك في ماله إن مات إذا عاش الابن، وأما إن مات الابن قبل انقضاء السنين، فيسقط عن الأب الضامن ضمان ما بقي منها، وإن كان حيا بسقوطها عن ابنه الذي تحمل عنه، وأما إذا تحمل بالنفقة في أصل عقد النكاح، فهي حمالة لا تلزم على ما دل عليه قوله في الرواية؛ لأن النكاح يفسد بذلك، فيفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده، ويسقط الشرط، ويكون للزوجة صداق المثل، وقد مضى بيان هذا، في رسم حلف ألا يبيع سلعة سماها، من سماع ابن القاسم، من كتاب النكاح، وبالله التوفيق.

.مسألة أعمر رجلا دارا وجعلها لولده من بعده:

قال أصبغ: سمعت ابن القاسم، وسئل عن رجل أعمر رجلا دارا، وجعلها لولده من بعده، هل يجوز له أن يشتريها من المعمر، وهي لولده من بعده؟ وهل يجوز للمعمر أن يشتري العمرى من ربها حتى يكون له أصلها، كما يجوز للمعمر؟
قال ابن القاسم: أما إذا جعلت لولده من بعده، فلا يجوز لصاحبها أن يشتريها؛ لأن الأب ليس يبيع لقوم بأعيانهم، ولا يعرف عددهم؛ وأما المعمر فيجوز له أن يشتريها من صاحبها حتى يكون له أصلها، إذا لم يكن لولده من بعده، وإن كانت لولده من بعده، فلا يحل له اشتراؤها؛ لأنه يشتري حق قوم آخرين، ولا يحل للمعمر أن يشتري حق المعمر وحده أيضا إذا كانت لولده من بعده، وإنما يشتري ما يملك به الدار ملكا تاما حتى يبيع ويهب، ويتصدق إن شاء؛ وأما أن يشتري شيئا، فإذا مضى خرجت من يده أيضا إلى قوم آخرين، ولا يستطيع فيه بيعا ولا غير ذلك، فلا يحل، وقاله أصبغ، قال أصبغ: وإنما مكروه ذلك، أنها إجارة مجهولة، وكراء مجهول، وغرر ومخاطرة.
قال محمد بن رشد: هذه مسألة قد مضت متكررة في آخر رسم إن خرجت من سماع عيسى، ومضى الكلام عليها هناك، وفي المواضع المذكورة فيه، فلا معنى لإعادة ما مضى الكلام فيه، فإن مات المعمر نزل ورثته منزلته، فكان لكل واحد منهم أن يشتري من الخدمة قدر حظه من المرجع عند ابن القاسم.
وقال ابن كنانة: لا يجوز إلا أن يجتمعوا كلهم فيشتروا جميع الخدمة، وقال المغيرة: للواحد منهم أن يشتري جميعها، وبالله التوفيق.

.مسألة يقول لابنه أصلح نفسك وتعلم القرآن ولك قريتي فلانة:

قال أصبغ: سألت ابن القاسم عن الرجل يقول لابنه: أصلح نفسك، وتعلم القرآن، ولك قريتي فلانة، فيصلح نفسه بإذن الله، ويتعلم القرآن، ثم يموت أبوه، وهو لم يبلغ الحوز، والمنزل في يدي أبيه، هل تدري الصدقة له جائزة؟ قال: لا، إذا كان إنما هو قول هكذا، إلا أن يعرف تحقيق ذلك بإشهاد يشهد له على ذلك، أو يقول لقوم: اشهدوا أنه إن قرأ القرآن فقد وهبت له، أو تصدقت عليه بعبدي، أو بقريتي، فيكون ذلك جائزا له إذا كان صغيرا في ولاية أبيه، ويكون ذلك حوزا له؛ فأما إذا لم يكن الأمر على هذا، فإني أخاف أن يكون ذلك منه على وجه التحريض، فلا أرى ذلك للابن إلا على وجه قوي، مثل ما وصفت لك من الإشهاد، إن شاء الله.
قال محمد بن رشد: الظاهر من قوله: ولك قريتي فلانة، تمليكه إياها بإصلاحه لنفسه، وتعلمه القرآن، وليس بنص على ذلك؛ ألا ترى أن أهل العلم قد اختلفوا في العبد هل يملك أو لا يملك، مع إضافة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المال لابنه بهذه اللام التي يسمونها لام الملك، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «من باع عبدا وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع؛» فقال: «أنت ومالك لأبيك» فلم يكن هو وماله ملكا لأبيه، فلما احتمل أن يريد بقوله: ولك قريتي فلانة تسكنها، أو ترتفق بمرافقها، أو ينفذ أمرك فيهما، وما أشبه ذلك؛ لم ير ابن القاسم أن ينتقل ملكه عنها إلا بيقين، وهو أن يقول: أشهدكم أنه إذا فعل ذلك، فقد تصدقت عليه بها، أو وهبتها له، وما أشبه ذلك؛ فتجوز الهبة له، وتصح له بحيازته إياها إذا كان صغيرا في ولايته، ولم يجعل ما أوجب له القرية به من إصلاحه نفسه، وتعلمه القرآن عوضا لها، فتمضي له دون حيازة، وفي ذلك اختلاف.
حكى ابن حبيب، عن مطرف أنه قال: له ومن أعطى امرأته النصرانية داره التي هو فيها ساكن على أن تسلم فأسلمت، فلا أراها بمنزلة العطية؛ لأنها ثمن لإسلامها، والإشهاد يجزيها عن الحيازة؛ وإن مات الزوج فيها، وبه أقول.
وقال أصبغ: لا أراها إلا كالعطية، ولابد فيها من الحيازة، وإلا فلا صدقة لها، وفي المدنية لابن أبي حازم، ولابن القاسم من رواية عيسى عنه، مثل قول مطرف، وما اختاره ابن حبيب؛ قال: وسألت عبد العزيز بن أبي حازم، عن رجل قال لابنه: إن تزوجت فلك جاريتي فلانة، هل يلزمه ذلك؟ قال: نعم، إذا تزوج فهي له، وإن مات الأب أخذها من رأس المال؛ قال ابن أبي حازم: وإن كان على الأب دين، حاص الغرماء بذلك؛ قال عيسى: قال ابن القاسم: هي له دون الغرماء إن فلس، وإن مات أخذها من رأس المال، ولم يكن لأهل الدين فيه شيء؛ قال ابن القاسم: ولو قال: لك مائة دينار إن تزوجت، كان هو والغرماء سواء في ماله في الفلس والموت جميعا؛ لأنه ليس بشيء بعينه، وقول ابن القاسم أنه يكون أحق بالجارية من الغرماء، وأنه يحاصهم بالدنانير، هو الصحيح، لا ما قاله ابن أبي حازم؛ ومعناه إذا وجبت له الهبة بالتزويج، قبل أن يتداين الأب، وبالله التوفيق.